أخبار عاجلة

أحمد قاسم: عندما تكون الثورة

Share Button

لقد وصل النظام في سوريا إلى سقف مسدود بممارساته الإستبدادية في جميع مجالات التطور السياسي والثقافي والإقتصادي, وكذلك في الجانب الإداري للدولة بصورة (دوغمائية) غير قابلة للتغيير أو التنقل إلى مرحلة أخرى أو إعادة إنتاجه لنفسه, كونه مر بجميع مراحل الإستبداد بمنهجية وإيديولوجية منغلقة على ذاته, ورفضه لمشاركة الآخر المختلف في فتح آفاق جديدة قبل الوصول إلى السقف المسدود, والذي يؤشر إلى الإنفجار والسقوط من ذاته وبذاته, لأن التفسخ قد وصل إلى بنيان مفاصل هرمه من الأعلى إلى الأسفل ولم يبقى ما يرتكز إليه للبقاء إلى مرحلة أخرى في الحكم, وبالتالي, عند أول بادرة من الشارع للمطالبة بالإصلاح والتغيير استفز بشكل جنوني واتهم كل من قال (لا) بالمتآمر عليه وعلى الوطن.
مع مرحلة السقوط الأخلاقي والثقافي والإقتصادي المفسد للنظام, و” غياب النخبة المثقفة السياسية المنظمة ” لإستيعاب مرحلة سقوط النظام وانهياره أمام التحولات التاريخية والتفاعلات الإجتماعية التي باتت تهدد بنيتة, انتفضت الجماهير الشعبية مع شعلة (درعا) الثورية.
لم تستوعب الأحزاب الكلاسيكية والإيديولوجية المتهالكة تحت وطأة مطحنة النظام لهم وعجنهم في إطار ( الجبهة الوطنية التقدمية ) ومن خارجها من أسماء لأحزاب لاتمتلك إلا نشرة دورية وهزيمة في داخل قياداتها تستحق السقوط مثلما استحق النظام السقوط.. بقي من كان في قيادة إعلان دمشق لايملكون الشارع الجماهيري الذي كان من الممكن أن يشكلوا عامل ضغط على الحكم من جهة, ومن جهة إستغلال نقمة الشارع على النظام وتنظيم الجماهير بمنهجية حول مشروع سوري بعيداً عن الطائفية والعرقية التي تلاعب عليها النظام طوال سنين حكمه.
مع غياب النخبة المثقفة والسياسية, وانهزام الأحزاب الإيديولوجية والكلاسيكية المهزومة أصلاً, وعدم تنظيم الشارع السوري المنتفض بشكله الصحيح, جاء من يُملىء الفراغ بصورة أخرى, منهم من جندوا من قبل النظام نفسه لوأد الروح الثورية للمنتفضين, ومنهم من جندت الدول الإقليمية للعبث بالإنتفاضة وإبعادها عن الثورية والمشروع الوطني السوري, إضافة إلى التدخلات الدولية التي تجاوزت في حقيقة الأمر إرادة وطموحات الشعب السوري مع إضفاء الطابع الديني والطائفي على كامل الحراك الشعبي بما فيها الحالة القتالية التي كانت بمثابة رصاصة الرحمة للروح الثورية لدى السوريين, وإنتشار تنظيمات إرهابية على مساحة البلاد بشكل مرعب.
مع كل ذلك, فإن الأعمال العنفية اليوم تُشرف على نهاياتها بإرادة دولية وبتدخلها العسكري وتوزيع مناطق النفوذ تحت تسمية مناطق خفض التصعيد, وتنظيمات الإرهابية ( كداعش وجبهة النصرة ومن في فلكها ) في مراحلها الأخيرة, والمعارضة السياسية أثبتت فشلها في إدارة الأزمة كونها لاتشكل في حقيقة أمرها تنظيماً جماهيرياً تمتد من المالكية على حدود العراق إلى درعا في أقصى جنوب سوريا بعشرات الآلاف, وبالتالي, فهي معرضة للتفكك قبل تلك الكتائب المسلحة التي في غالبيتها تحارب بالنيابة ليس إلا.
يبقى في الأخير أن ينتج الشعب من وسطه نخبة جديدة من المثقفين والسياسيين الذين لم يمارسوا الهزيمة, ولم يتثقفوا بالثقافات الدوغمائية والإيديولوجية الكلاسيكية المهزومة أمام تطور التاريخ, وكذلك بعيداً عن أولئك الذين أفسدتهم المال السياسي ولايمتلكون القاعدة الجماهيرية على الأرض, وذلك لقيادة مرحلة ما بعد سيطرة القوات الدولية وخاصة الروسية منها على الأرض السورية, كون النظام قد أسقط منذ اليوم الأول من الإنتفاضة, والذي نراه اليوم لايشكل سوى غطاءً للتدخل الدولي وليس إلا. الثورة ستبدأ بعد كل هذه المتغيرات بمشروع واضح وصريح يلامس حياة الناس ومستقبله في دولة ليست لها هوية عرقية ودينية ومذهبية, دولة هويتها سوريا لكل السوريين يحكمها دستور يتم صياغته من قبل السوريين بكافة أطيافه الإجتماعية.
نحن أمام مرحلة جديدة وقد تكون الأصعب من حيث تعقيداتها المتداخلة مع دخول القوات الدولية وغياب التنظيم الجماهيري وإرادته الضاغطة على مراكز القرار الدولي, لاسيما أن العملية الحوارية التي تستمر في جنيف وآستانة ليست إلا شكلاً من أشكال غطاء دولي لتمرير سياسات بغياب الإرادة الحقيقية للشعب السوري كما كانت في الإتفاقات الدولية ومؤتمراتها التي لاحقت إتفاقية سايكس بيكو بغياب إرادة شعوب المنطقة.

Share Button

عن peshveru


Warning: Division by zero in /mounted-storage/home134b/sub014/sc79066-SGIU/dimoqrati.info/wp-includes/comment-template.php on line 1381
x

‎قد يُعجبك أيضاً

غضب الفرات تتقدم ومقتل 35 داعشيا في الرقة

اعلنت المتحدثة باسم حملة غضب الفرات جيهان شيخ احمد اليوم الثلاثاء، عن تحرير حي الرشيد ...