عبد المجيد محمد خلف: الكرد في سوريا ومعضلة الانتماء

Share Button

“هم أحرار ليس في إطاعة السلطة، أو القانون فحسب، بل أحرار بقدر ما يشعرون بعدم الحرمان السياسي في التصرف، وفي تقرير السلوك السياسي للدولة، وتحديده، وهم ليسوا أحراراً حينما ترغمهم القوانين، أو القواعد الواجبة على أيّ تصرف يكرهونه، أو يستنكرونه…”…هيغل.

تشكّل الدولة السورية- البدايات
تمخضت الصراعات الدولية العالمية عن تقسيم العالم إلى كيانات مختلفة، ودول، حسب ما تقتضيه مصالح تلك الدول، دونما الاستناد إلى أسس، ومعالم تؤمن للشعوب التي تعيش في تلك الدول، أية حقوق خاصة بها،أوكيان تتمكن من خلاله الاستمرار، وإنشاء ظروف حياتية، وواقعية، تمكنها من التخلص من تبعات الأزمات العالمية، وسيطرة الدول فيما بعد عليها، من خلال فرض سياسات عنصرية وطائفية، ومن هذه الدول، سوريا، وغيرها من دول المنطقة، التي تشكلت بعد تلك الأزمات، فسوريا لم يتم تشكلها استناداً إلى الإرادة الجمعية للسوريين كافة، لكنهم رضوا بذلك، وبهذه الحدود التي أقيمت من قبل الدول الكبرى، ضمنياً، على الأقل، بهذا الواقع، وتعايشت كافة الطوائف مع بعضها، واستمر الحال على هذا النحو، حيث كان الكرد من ضمن أبناء الشعب السوري الذين تعايشوا، وقبلوا بهذا الوضع، وشاركوا في معظم المناسبات السورية، والحركات، والثورات التي قامت ضد الفرنسيين، وقدموا العديد من الشهداء، وانتشرت الثقافة الكردية نوعاً ما في تلك الفترة – فترة الحكم الفرنسي لسوريا- وتجسد ذلك من خلال الكتب والمطبوعات، وخاصة مجلة هاوار التي صدرت في تلك الفترة، ولكن الوضع تغيّر تماماً بعد خروج الفرنسيين من أرض سوريا.
ممارسات البعث ضد الكرد
أمعنت السلطات التي جاءت بعد خروج الفرنسيين من سوريا في النيل من أية بارقة أمل للتعامل الكردي مع الحكومة السورية المتكونة، وسياستها العنصرية، التي أخذت تطفو على السطح يوماً بعد يوم، مؤكدة عن نيتها على تهميشهم، وإقصائهم عن الحركة، والحياة السياسية في سوريا، وإبعادهم عن أي دور يمكن القيام به في الدولة القادمة، وعمدت إلى مصادرة الكتب، والمطبوعات الكردية، ومنع طباعة، ونشر أي شيء باللغة الكردية، وقاموا بإغلاق النوادي والجمعيات الكردية، وهذا بدوره أسهم بشكل كبير في وأد أيةفكرة تدعو إلى مشاركة الكرد في حكم سوريا، والقضاء على أي شعور يعكس الرغبةبالانتماء الكردي إليها، وشكّل صعود حزب البعث، ودخوله معترك الحياة السياسية، الضربة القاصمة، والأخيرة التي أنهت كل شيء،ورسخت الإيمان لدى الكرد في عدم الانتماء للدولة؛ بسبب السياسات القمعية – فكراً، وممارسة- الممارسة على الكرد، وشكّلت هذهالسياسات جزءاً من برنامجهم الحزبي، ونظامهم الداخلي،فشعارهم المرفوع أكبر دليل على ذلك،(أمة عربية واحدة)، وهذا الموقف كان معادٍ للكرد بشكل كبير،الكرد الذين ازداد الشعور لديهم ببعدهم عن هذه الدولة، وعدم إحساسهم بأي رابط يربطهمبه، ودفعت به في تلك الفترة العصيبة من حياة سوريا إلى تأسيس أول حزب كردي في سوريا، عام 1957 باسم (الحزب الديمقراطي الكردستاني).
الرقابة الاجتماعية-الانضباط
عمل البعث على اتباع مجموعة من الوسائل المادية والرمزية، التي كان يمتلكها؛لتأمين التماثل في السلوك لدى أبناء الطوائف كلها في سوريا، بالترغيب والترهيب؛ حيث كانت هذه القواعد، والمبادئ المفروضةمدعومة بالجزاء،فكان تعاقب بالانحراف بالنسبة إلى هذه الأنماط، وتتعرض أية أقلية إذا أقدمت على الابتعاد عنها، وعدم تمثلها إلى عقوبات رادعة، وعملت كل ذلك دون جدوى؛ فالضغط الذي مارسته على الكرد خلق لديهمنزعة بالاستغلال، والاستلاب، والشعور بالنفور من كل شيء اسمه دولة سوريا،أومؤسسة تابعةلها، حتى مؤسسات التعليم نفسها؛ لأنها كانت تعتمد على نفس البرامج الموضوعة، والمقررة سلفاً من قبل السلطات الحاكمة، ومن ورائها الحزب الساعي لتمكين السيطرة عليهم، وتعريبهم، ومنعهم من القيام بأي نشاط يدفع بهم نحو الإحساس بكرديتهم، في أية لحظة، فكلهم أحياناً مسلمون، وأحياناً بعثيون، وأحياناً أقلية، وهم كل شيء إلا الكرد، مع أنه كانوا يدركون خطأ هذه الممارسة، وأنها ستؤدي يوماً ما إلى خروج الأمور عن السيطرة، إلا أنهم أصروا على تلك الممارسات، واستمروا فيها حتى النهاية، لأن طبيعة الرقابة الممارسة من قبلهم كانت ضرباً، وتماثلاً جزئياً عابراً، فلا يجوز أن تكون خارجة عن الإرادة، وعن طبيعتها، حتى تكون ناجعة على نحوصرف، وعلى هذا النمط يؤديبالأقليةإلى التوحّد، والمواجهة، لأن المؤسسة التي كانت تمارس فيها الضغط، وتخلق الوهمبالوحدة الرمزية،لم يكن عملها إلا عملاً مؤقتاً، زال لأسباب كثيرة، وما شاهدناه من أحداث عاصفة في سوريا أكبر دليل على ذلك؛ فكثرة الانشقاقات والولاءات للغير، الهجرة، والاغتراب عن سوريا، وخروج المعارضة التي لم تكن الدولة تتوقع ذلك يوماًما، وهذا إن دل على شيء، إنما يدل على الوهم الذي وضعت الدولة نفسها فيه، وهو النسيج السوري الواحد، وتبين أن ذلك النسيجنسيج هش، ووصلت الأمور نتيجةكره الدولة ومؤسساتها، وممارساتها،إلى المطالبة من قبل الكرد ليس بالحقوق الثقافية والتعليمية فحسب، بل إلى المطالبة بإدارة ذاتية في بداية الأمر،ليتحول الطرح بعد ذلك إلى المطالبةبفدرالية الكرد، ليس كَرَدّ فعل فوضوي،وإنما إدراكاً لواقع لابد من خلقه، وتحقيقه، وأمر طبيعي، وردّ فعل طبيعيأيضاً، على عدم الشعور والإحساس بالانتماء أية لحظة إلى الدولة السورية، وتبين أن العنف الممارس من قبل السلطة والحزب في سبيل ذلك لم يكن له أية قيمة، وبدون فائدة؛ لأنه كان قائماً على علاقات تعسفية بشكل أساسي أولاً، ومضراً بمصلحة طرف، بصورة منتظمة، ومضراً للطرف الآخر أيضاً بصورة منتظمة.
وبلغت بهم ممارسه العنف على الكرد إلى سجنهم، نفيهم، تشريدهم،ومنع نشاط الأحزاب الكردية، والمنشورات والكتب والمطبوعات، وإضافة إلى محاولة تغيير ديمغرافية المنطقة، من خلال مشاريع توطين البدو، ووصفت الكرد بين الحين والآخر بالخونة- الانفصاليين، مبتعدين في ذلك عن أبسط حقوق الكرد،ومطالبهم،-(مازالت أحداث آذار؛ عام 2004، ماثلة أمام الأعين، حيث وقف الكرد كلهم صفاً واحداً، وخرجوا في مظاهرات عارمة تنديداً بالسياسات العنصرية والتميزية بينهم، وبين غيرهم في سوريا)-مع أن الديمقراطية الحقّة هي النظام الذي تكون فيه العلاقات بين القليل من المواطنين، والباقي من المجموع السياسي قد سويت على نحو يجعل التعايش السلمي ممكناً بين المواطنين جميعاً، فصلات التعايش، وعلاقات الجوار متواترة داخل كل جماعة من الجماعات، أكثر مما هي متواترة بكثير من خارج كل جماعة، وتمثل الشرط السياسي الذي يتيح للفاعلين الاجتماعيين أن يكونوا أنفسهم، وأن يتصرفوا بحرية،وهي تعني في الوقت نفسه إقراراً بالمسافة الفاصلة بين الدولة، والحياة الخاصة التي يجري ضمانها بعدة إجراءات قانونية، ومؤسسات تضمن الحقوق الأساسية للأفراد..
فالانتماء – الذي يعني الانتساب إلى الدولة، وتقديم الطاعة والولاء لها- هو الذي يشكل هوية وطنية جامعة لجميع أبناء الشعب، ويدفع بهم إلى احترام تلك الدولة، تبعاً لما رضوا به من قانون اختاروه بأنفسهم طوعياً، ليطبق عليهم، بشرط أن يكون هذا القانون ضامناً لحقوق جميع الأطياف والمكونات القومية والطائفية، من دون الانتقاص من حق أحد، ليكون بمقدور المجتمع بناء دولة متوافقة، يعيش فيها أبناؤها في سلام وأمان، بعيداً عن كل المعضلات، والعوائق التي تحول دون ذلك.

عن موقع : www.nlk-s.net

Share Button

عن peshveru


Warning: Division by zero in /mounted-storage/home134b/sub014/sc79066-SGIU/dimoqrati.info/wp-includes/comment-template.php on line 1381
x

‎قد يُعجبك أيضاً

دي ميستورا يلتزم أمام المعارضة ببحث الانتقال السياسي

أفادت مصادر قناتي “العربية” و”الحدث” في جنيف أن المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا ...