أخبار عاجلة

فريد سعدون: محنة الكردي في «القصيدة التي كتبت بلسان مقطوع»!

Share Button

محنة الكردي في «القصيدة التي كتبت بلسان مقطوع أو ميثاق الضجر.. آزاد عنز» يشرأبّ بوميض لغته الرخيمة، كبريق عيون بنات آوى التي تنسل من بين حقول السراخس والعلّيق في ليالي الشمال الكردي، المدجج بقصص العذراوات الهاربات على صهوات الحلم، وحكايات الأولياء والقديسين.. مثلما دأبت قرى الشمال على سرد تاريخ عشقها بدون وجل، كذلك قصيدة آزاد عنز استمرأت أن تبوح بأسرار محنتها، ولكن بلسان يكدّ ويجهد ليستعيد أناقته وكماله، اللذين استلبتهما خناجر الجحود والإنكار.
لم يأت هذا العنوان عبثا، بل هو تعبير صارخ عن محنة الشاعر نفسه، فأول ما يبدأ به الطغاة هو وأد الكلام، فاللغة هي الرَّجُل، هُويّتُه، ووجودُه، مسكَنُه وملبَسُه، أرادوه كرديا مطموس الملامح، منفيا، يبحث عن كينونته المغدورة، يلتمس لها لغتَه في يقين اللعنة التي أهدرتْ صوتَه، واستلبته آلةَ نُطقه: فالكرديُّ امتدادٌ للوجع الملاصق للكرديّة هُويّة الكرديّ من ميلادها حتى هلاكِها، ترافقُ اللغةَ المنفيةَ في الهُوية، فالأمر إذن هويةٌ ترافق ذاتها ولغة ترافق منفاها إنه التيه، والمتاهة التي استعصى على الكردي الفكاك من شباكها، ترك هناك من خلفه تضاريس تحفّها الجغرافيا الملعونة بالسياسة، فوقع في أحبولة سبعة أحرف لا يجد لها حبرا كي يدوّنها بعناده المعهود في بياض الخرائط وميثاق الأمم، ويعلن أصالته: سبعةُ حروفٍ لا غير متاهةُ الكرديّ وأصلُ الكرديّ وفرعُ الكرديّ وفرعُ فرعهِ، أما الحرفُ السابعُ نونٌ أصليةٌ أصيلةٌ لا تابعة كتبعيةِ ملّة الكلمةِ للغير كتبعيةِ أرض الكلمةِ للغير، سبعة أحرف هي محنة الكردي الكبرى، سبعة أحرف مضمّخة بالكيماوي والأنفال وسبايا شنكال ومشانق مهاباد وحرائق ديرسم وآمد، حرابُ البنادق وسنابكُ الخيل، التي أنبتت للكردي ريشا يحلق به مع الريح: الأكرادُ طيورٌ مهاجرة لا وطنَ للطيور.
المحنةُ تُعلنُ فجائعها في صمت، لأن اللغة غدرت بتاريخ الكردي، والتاريخ الجبان قد تغاضى عن إدانة التزوير، ويأتي آزاد عنز ليميطَ اللثامَ عن الخديعة التي فتكت بحروفه السبعة، إنه الشاعر الذي تندلق الكلمات من بين أصابعه في انسياب ليسوقها على بياض الصفحة كعقد رصين لا تفاوت فيه ولا اعوجاج، إنه يعيد للتاريخ موازينه بالقسط، فخيول صلاح الدين ما زالت مسرّجة، فيما لو أيقن الآخرُ أن الطيورَ التي أحرقَ أعشاشَها وجزّ رقابها وخنق أهازيجها هي من أعادت أورشليم قدسا بسيف كردي وحرف كردي ودم كردي: فاتحٌ ترجمَ أورشليمَ من العبرية إلى العربية بدواةٍ كُردية وأقلامٍ كُردية.. فاتحٌ أشهر السيف من غمد الأبجدية ونحت بها رقاب الحروف ليعيدها إلى دفتي الكتاب.. فاتح ألّف بين الكردي والعربي فأعاد صياغتها إلى القاموس العربي قدسا إنها صياغة التاريخ، وصياغة اللغة الأبهّية بلسان لا يحتمل البتر ولا القطع، فلا يكون النطق جليلا مهابا، إلا إذا كان بليغا، فاللغة هي الإشكال، محنتها الوضوح، فيلجأ الشاعر إلى الإشارة والرمز، ويشرّع للكلام باب التأويل، فيصب الكلمات على عجينة الغموض ليخلق منها أساطير الدهشة والذهول، إنها اللغة التي تأبى الاستسلام للمتلقي بوداعة وهدوء، لذلك تسلّ وتخصف من التورية والكناية والاستعارة وما يماثلها من المجازات ما تستر به عورتها، لتبقى مدججة بالطلاسم التي تستدعي البحث والتنقيب لسبر جوهرها، وفكّ رموزها، والاستمتاع بمفاتنها، هكذا يبرهن آزاد عنز على براعته في استدراج اللغة إلى حقل مدجج بالفخاخ والمتاهات، وهنا بالذات يدرك حاجته إلى لسان فصيح، وهو ما أرغم كليم الله على الاستعانة بلسان أخيه: البلاغةُ لا تنضجُ إلا من لسانٍ فصيح، أما اللغةُ فتخطو في هلاك ما لم تَجُرها بلاغة، فالكتابةُ امتحانُ البصيرة في ترقيم البراهين بتوكيل الكتَبَةِ لمُنازلة الصفحة واللغةُ امتحانُ الآدمي في إيصال البلاغة إلى شريك يترجم له الحركة نطقا.
في ظل هذه البلاغة تبدأ الألواحُ حكايتها من كلمة مراوغة، لا تترك للمتلقي فرصة للقبض على ماهيتها وكنهها، فهي مارقة عصية على التدجين، لأن منها كانت البداية المفتوحة على الغيب اللامتناهي، في البدء كان الكلمة، وكان الكلمةُ القصيدةَ، فهي النطق الأزلي للغة العذراء، لغة الأسطورة، والقداسة والنبوة، وهكذا نرى آزاد عنز يهندس معمارية قصيدته من طلاسم الغيب، وبدء الخليقة، ثم يعرّج على تهذيب الروح الإنسانية، وتدبير شؤون الملكوت، وكليم الله، وروح القدس، وخاتم الأنبياء، وصراع الأخوة وأبناء العمومة وصولا إلى الشمال الكردي المطعون بألف محنة ومحنة، الكردي الذي يمخر عباب ألمه أبدا ممزق الأوصال والأشلاء: وميراثُ الكردي للكرديّ الذي حملَ نعشَ قضيتهِ وسرحَ بها راعيا في حانات المنفى، بُعيد اجتياح رياح التقسيم التي قسّمت روحَه أربعة. مثلما هي البلاغة تشق عباب الظلمات، وكليم الله يسبر أغوار الفيافي والبيداء، كذلك هو الكردي لا ينفك يعالج طلاسم المتاهة بميثاق الضجر والحيرة والضياع، يحمل إرث نفسه وأجداده صليبا يمتحن به قدرته على اجتياز التيه والغمامة وعقم السنوات العجاف منتظرا بزوغ جيل يؤمن بالرؤيا والتجلي في حضرة إله البعث والنشور: ملّةٌ تائهة وزعيم تائه وتيهٌ تائه تيه لا يليه تيه استقروا التيه أربعين حولا لبزوغ جيل لا يقبل الهوان.

٭ كاتب وناقد سوري

Share Button

عن peshveru


Warning: Division by zero in /mounted-storage/home162/sub014/sc79066-SGIU/dimoqrati.info/wp-includes/comment-template.php on line 1382
x

‎قد يُعجبك أيضاً

عفرين.. الفصائل الموالية لتركيا تفرض “الأتاوات” على مزارعي الزيتون وتهددهم بالاستيلاء على المحاصيل

يستمر مسلحو الفصائل السورية التابعة لتركيا بارتكاب الانتهاكات بحق أهالي عفرين المحتلة شمالي سوريا. ومع ...