أخبار عاجلة

غرب كردستان والمبادرة الملحّة – حسين عمر

Share Button

في ظلّ ما يشهده الوضع السوري العامّ والوضع في غرب كردستان وشرق الفرات من متغيّرات، دولياً وإقليميّاً وداخليّاً، وتكثّف الصراع السوري واقترابه من بوّابة الحلول السياسية، وبروز مخاطر وتهديدات جدّية على منطقة شرق الفرات والإدارة القائمة فيها، تتزايد الحاجة وبإلحاح إلى إجراء مراجعة جدّية وحقيقية من قبل جميع الفاعلين السياسيين في غرب كردستان خاصّةً وشرق الفرات عامّةً، إذ من المجازفة الخطيرة الانسياق وراء مغامرات قائمة على العناد وتجاهل المعطيات والتحدّيات والتهديدات، أو المراهنة السياسية الخاطئة القائمة على مجاكرة الخصم السياسي والتحطّط عليه.

في هذا الإطار، لا بدّ من الإقدام على خطوات متبادلة ومتزامنة، من طرفي الصراع السياسي الكردي في سوريا، تفكّك حالة الاستعصاء السياسي وتخفّف حالة الإحتقان المجتمعي وتمهّد الطريق أمام خطوات تطبيع الوضع السياسي في غرب كردستان أوّلاً والانتقال إلى مرحلة تنظيم هذا الوضع وفق حوارٍ وطني جدّي شامل لا يُقصي أحداً ويُفضي إلى الاتفاق على مشتركات وقواسم جامعة تشكّل الأساس لاستراتيجية وطنية متحرّرة من مصادرة القرار وفرض الإرادة من الخارج وتنطلق من مصلحة الشعب الكردي، وتهدف إلى تحقيق حقوقه ومطالبه المشروعة في إطار المشروع الوطني السوري الذي يُجمع عليه ممثلو الشعب السوري.

فعلى المستوى الدولي، لم يعد الصراع على إزاحة النظام من إبقائه، وتحوّل إلى صراعٍ على تقاسم مناطق النفوذ وفق الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية؛ وعلى المستوى الإقليمي، تحتلّ تركيا مناطق من شمال سوريا، بينها منطقة عفرين الكردية، وتحتكر ورقة الصراع الإقليمي على سوريا في مواجهة/موازاة إيران، يقابله انحسارٌ لنفوذ القوى الإقليمية الأخرى بعد إخراج أدواتها من المجموعات المسلّحة من المناطق السورية التي كانت تسيطر عليها؛ أمّا داخليّاً، فمنذ بدء مساري أستانة وسوتشي، تمّ إرغام المعارضة السورية ومجموعاتها المسلّحة على الانتقال من سياسة إسقاط النظام إلى سياسة التحاور والاتفاق معه في تسوية سياسية برعاية دولية وإقليمية.

من هنا، على أطراف الصراع السياسي الكردي أن تقرأ هذه المتغيّرات وتستجيب لها، وتعيد صياغة خطابها وتخندقها السياسي بما يحقّق تقارباً بينيّاً ينهي القطيعة والصراع السلبي اللذان ستزيد كلفهما وتسوء نتائجهما في ظلّ المعطيات الجديدة.

بناءً على كلّ ما ذكر، ثمّة حاجّة ملحّة إلى تدخّلٍ لدى طرفي الصراع السياسي الكردي لإقناعهما بخطوات متبادلة ومتزامنة، تبدأ بإطلاق الإدارة الذاتية سراح جميع المعتقلين من أعضاء المجلس والوطني الكردي وأحزابه والكشف الصريح عن مصير من اعتُقلوا في مناطق الإدارة الذاتية ولا تعترف الإدارة باعتقالهم. وكذلك افساح المجال الكامل أمام حرية العمل السياسي العلني بلا قيود للمجلس الوطني الكردي وأحزابه والقوى السياسية الوطنية الأخرى.

في مقابل ذلك، لا بدّ من انسحاب المجلس الوطني الكردي من ائتلاف المعارضة، إذ لم يعد هناك أيّ مبرّر سياسي للاستمرار في صفوفه. حينما انضمّ المجلس الوطني الكردي إلى الائتلاف، كان المجتمع الدولي والإقليمي يتعاملان مع الائتلاف كممثّل حصري للمعارضة السورية ويعتمدانه مخاطباً ندّاً للحكومة السورية في المؤتمرات والمحافل الدولية، وكان المجلس الوطني الكردي آنذاك يضم معظم الأحزاب الكردية بما يشبه الإجماع، باستثناء الاتحاد الديمقراطي، وبالتالي، كان يمكن للمجلس أن يبرّر تواجده في صفوف الائتلاف آنذاك، حرصاً على تواجده في مسار العملية السياسية المغطّاة دولياً من خلال الأمم المتّحدة. لكنّ الأمور تغيّرت جذرياً، منذ تشكيل الهيئة العليا للتفاوض، وانطلاق مساري أستانة وٍسوتشي، واحتلال عفرين من قبل تركيا والجماعات المسلّحة التابعة لها والمرتبطة بالائتلاف وحكومته المؤّقّتة.

فمنذ تشكيل الهيئة العليا للتفاوض، وضمّ منصّتي موسكو والقاهرة إليها، لم يعد الائتلاف يحظى لا بالتمثيل الحصري للمعارضة ولا بالرعاية الدولية والإقليمية السابقة، بل تحوّل الائتلاف، وخاصّة بعد انسحاب العديد من التيارات والشخصيات منه، إلى كيانٍ، يكاد يكون محصوراً بالإخوان المسلمين والمجموعات المسلّحة الاسلامية المتطرّفة، تابعٍ لتركيا وحليفتها قطر، بل ويثير حفيظة وامتعاض دول إقليمية متنفّذة في الملفّ السوري. كما أنّ مباركة الائتلاف للهجوم التركي على عفرين وتحوّل ومجموعاته المسلّحة إلى أدواتٍ لاحتلالها وممارسة أبشع الانتهاكات بحقّ أبنائها، وزيارة وفد من الائتلاف إلى منطقة عفرين في الوقت الذي كانت الطائرات التركية وقطعان الجماعات المسلّحة تفتك بأبنائها من المدنيين والمقاتيلين، لم تدع أيّ مبرّرٍ سياسي أو أخلاقيٍّ للبقاء في صفوف الائتلاف، ناهيكم أنّ المجلس نفسه، وبعد إخراج أطراف منه وانسحاب أطرافٍ أخرى بإرادتها منه، لم يعد يمثّل أغلبية الأطراف الكردية. يمكن للمجلس الوطني الكردي أن ينسحب من الائتلاف من دون فقدان موقعه في العملية السياسية التفاوضية، وذلك من خلال التمثيل المستقلّ في هيئة التفاوض، أسوة بالأطراف الأخرى المنضوية تحت مظلّتها، خاصّة أنّ المعارضة تسعى الآن، تحت ضغوطٍ أمريكية وأوروبية، إلى ضمّ ممثّلي الإدارة الذاتية إلى لجنة صياغة الدستور السوري الجديد.

إنّ الاقدام على اتّخاذ هذه الخطوات المتبادلة والمتزامنة سوف يحقّق جملة من النقاط لصالح الموقف الكردي العام ؛ فمن جهة سيخلق حالة من الارتياح المجتمعي في غرب كردستان ويخلق فرص تمتين الجبهة الداخلية في مواجهة الأخطار؛ كما سيحرج موقف تركيا التي تهدّد المنطقة بالاجتياح بحجّة أنّ الإدارة القائمة هناك تابعة لحزب العمال الكردستاني؛ مثلما سيدعم ويقوي موقف الأطراف الدولية الداعمة لقوات سوريا الديمقراطية في مواجهة الاتهامات التركية؛ كما أنّها ستوسّع الطريق أمام الخيارات السياسية للحركة الكردية، إذ يمكنها التفاوض على نحو ثنائي مع الحكومة السورية مثلما يمكنها السير في خيار التفوض ضمن العملية السياسية المغطاة دوليّاً، وفق مقتضيات مصلحة شعبنا الوطنية؛ ناهيكم عن أنّها ستطبّع الوضع السياسي في غرب كردستان، الأمر الذي يفتح الطريق أمام جهود ذوي النوايا الخيّرة من الجهات الدولية والكردستانية والمحلية لانطلاق عملية سياسية تشمل إعادة صياغة تجربة الإدارة على الصعد المختلفة في غرب كردستان وشرق الفرات.

صحيحُ أنّ حزب الاتحاد الديمقراطي يتحمّل مسؤولية التجربة القائمة الآن في غرب كردستان، لكنّ حماية هذه التجربة أوّلاً وتطويرها ثانياً، هي مسؤولية مشتركة لجميع القوى والأطراف السياسية في غرب كردستان، لأنّ الشعب الكردي في سوريا بأجمعه سيدفع كلفة باهظة إذا ما تعرّضت هذه التجربة للهجوم أو انهارت. ولنا في تجربة عفرين درسٌ قاس للغاية.

ندرك أنّ الإقدام على هذه المبادرة ليس سهلاً ودونها الكثير من المصاعب والعقبات، ولكنّها ضرورية وملحّة لأنّها تتّصل بمصير شعبنا.

Share Button

عن peshveru


Warning: Division by zero in /mounted-storage/home162/sub014/sc79066-SGIU/dimoqrati.info/wp-includes/comment-template.php on line 1382
x

‎قد يُعجبك أيضاً

دلاور زنكي : صفحات من سيرة الكاتب الكردي الراحل جمال نبز

جمال نبز “الكردي جمال نبز” المعروف الذي ذاعت شهرته عالماً لغوياً ولد عام 1933م في ...