أخبار عاجلة

شهناز شيخة: العبورإلى الجنّة

Share Button

على امتداد الغروب… ثمّة أرضٌ موحلة باردة، تقطع شرايينها دوّامةٌ من الحزن و الأسلاك الشائكة.    

ظلالٌ رمادية, تسير خلف ما اتفق على تسميته بـ الدليل “ريبر”

ذلك  العارف، المجرّب، المتاجر بعبور النّاس للحدود في حربٍ أرغمتهم على ترك بيوتهم سيتولّى اجتياز الأشياء المبهمة، في شتاءٍ ينثر برده فوق الوجوه الشاحبة .

قلبي مازال متشبّثاً بتلك القطعة من الأرض

لكن ثمّة عمل لابدّ لي من القيام به

فالوطن يستحق المخاطرة بالرّوح

كنّا نسير صفّاً واحداً

أنا , وثمّة هاربون من الموت والجوع

نساء، رجال، وأطفال لاذوا بالصّمت… الصّمت الذي لم يكن له يوماً دلالة في قاموس أيّامهم الصّاخبة

لكنهم اليوم يدركون أن مجرّد هرج بسيط يعني: رصاصة قاتلة .

الظّهور منحنية، الصّدور خافقة بالخوف، همسات الدليل المتشنّجة الآمرة بإطفاء الهواتف الجوّالة، نظراته القلقة، الملتفتة بين الفينة والفينة إلى رتل البشر خلفه، المراقِبة في خوف عيونهم البرّاقة.

نظراته التي لو استطاعت لقالت لهم- أطفئوا حتى بريق عيونكم –

ثمة رائحة لخطر ما يكاد يداهمنا

يومئ لنا بحركات سريعة من كلتا يديه بالعودة إلى الوراء.

القافلة تنفّذ إيماءاته المرتعدة، متحسّرةً على كيلومترات باردة موحلة، قطعتها بشق الأنفس..

مرّات ومرّات تتكرّر العملية ذاتها، بأقدام تغور بين الفينة والأخرى في الطين البارد المقاوم لخطواتها الهاربة.

مرّة أخرى يعودون لنقطة انطلاقهم

القرية الخالية من النّور والبشر, ببيوتها الطّينية المتهدّمة، بعقاربها وثعابينها النّائمة في جحورها، الزاهدة عن الرائحة البشرية الحائمة في المكان.

وحدها أصوات الكلاب، وعدد من الشّبان يحرسون المكان، مشعلين مصباح الكاز، مغلقين الكوّة الصغيرة بقميص مهترئ أملاً في ألا يلمح دَرَكُ الحدود ذلك النّور البسيط المنبعث من الطين المظلم، أمّا الشاي الساخن الذي جادوا به, فلم يستطع أن يبدّد الرطوبة التي بدأت تسري في الرُكب والأقدام

: إنّه الوقت المناسب

علينا أن ننطلق من جديد

على تلك البقعة من الأرض تقاطرت الأقدام البشريّة، ليزدحم المساءُ بالأنفاس البائسة , المساءُ المتوجّسُ قلقاً على المحتمين به الملقين على كاهله عبء حمايتهم من عيون الدَرَك!

الدَرَك الذين لا أدري لماذا لم أكن أشعر بالخوف منهم..؟!

ثم ها هو الدليل يطلب منّا الجلوس على الرُكب، بينما يحاول هو الاقتراب أكثر للتأكد من درجة الأمان.

الصغار أزهارٌ ذابلة بين أصابع الطّريق

أيها الغائرون في البرد

الهاربون من وطنٍ سها عنكم

الأرض أرضكم، والشمس في قرارتها منحازة لكم، لأنكم تشبهون الأزهار

أتذكّر دموعكم  الهاربة من المدارس، ثوراتكم الصغيرة المتمردة على لغةٍ لا تفهمونها، الثّورات التي كانت تُطفأ كأعقاب السّجائر في أجسادكم، لتخلعوا رويداً رويداً لغتكم على عتبة البيت، أو عند باب المدرسة، كلّ اللغات جميلةٌ أخّاذة لكن أحلاها ما كانت تنطق به شفاه أمّهاتكم حينما فتحتم عيونكم على الدّنيا و أحزانها.

……………

– هيّا تحرّكوا بسرعة، ولا تنسوا اخفضوا الرؤوس.

همسُهُ من جديد

– لحظة.. أريدكم أن تعطوني المبلغ الذي اتفقنا عليه الآن

بأصابع متجمّدة أخرجنا نقودنا من جيوبنا, تناولها الدليل على عجل وسار مرّة أخرى في المقدمة، تتبعه الظّلال البشريّة

همستُ للدليل وأنا أطرق بإصبعي كتفه :

-انظرْ إلى تلك الظّلال المسلّحة التي تقترب  منّا إنها قادمة إلينا من تلك الزاوية!

وحين التفت إلى المكان الذي كنت أشير إليه، فرّ للوراء مذعوراً, جارفاً أمامه البشر وهواءً يختنق في دهاليز الرئات الغضّة.

هدأت القلوب، لكنْ علينا أن نغيّر طريقنا؛ فلقد بات من الصعب علينا العبور من الطريق ذاتها

…………. حتى السماء تغلق في وجهك أبوابها.

أنت الذي  نحتت أحلامك  في الأثير، وظلّتْ معلّقةً في السّماء كتعلّق عينيك بـقامات الذرة الناهضة هناااااك, حيث نثار الفضة المنسكب من كبد القمر على خيوط حزنك ,الحزن الذي ظننتَ أنه سيتلاشى كالسّراب فوق خطوط الأفق المزدحم بالوجل والأسلاك الشائكة!

القافلة مسبحةٌ مهترئة في يد “الدليل”

فللمجهول رهبة تجبر المرء على الانقياد  لذلك العارف، المجرّب، الخبير بخفايا الطّريق!

تقطّعت الأحذية العتيقة في كفاحها المرير مع الطين، ولم تكن من حيلةٍ تحمي الأجساد الخائرة من المطر الذي انهمر بغزارة وحقّاً فقد زاد  للطّين بلّة!

وحدها حقيبتي الملطّخة , المحمّلة بأسرار ذلك الليل ، المسافرة معي, تجود بسترات كان لابدّ لي من إحضارها سنداً لي في مهمّتي الرّسمية , سترات  كان لابدّ أن أهبها للأجساد الصّغيرة علّها تحميهم من الرّيح الباردة التي عصفت بالطّين والبشر , فهي مهمّة أنبل و أسمى من حضور مؤتمرات لا تابع كثيراً بكل تلك الآلام .    وجوارب صوفيّة تحدّق بألم في الأقدام المزرقّة العارية، وتعتذر بصمت عن قلّة حيلتها.

الطريق لازالت مستعصية

المعادلة في الضفّة الأخرى تواجه حلولها المستحيلة.. لكنّ الصبح يكاد ينبلج، ولا مفرّ من المجازفة

إنّه الهزيع الأخير من أحزانكم

وجهاً لوجه مع.. الأسلاك الشّائكة..!

القفز من نوافذ الجحيم

وحلمٌ بالعبور إلى الجنّة

لكنها في محاولاتها البائسة لعبورها المرير تمزّقت الثّياب والأجساد.. و شعرتُ بالدّماء السّاخنة وهي تتساقط من الأفخاذ النحيلة على صدر الأرض

الأرض التي ضاقت ذرعاً بخطوات شابٍ أغرته قامات الذرة، وحديث جدّه عن قريتهم التي مزقتها الأسلاك الشائكة إلى نصفين – إنها هناك تناديه، تحمله إليها

: إنّهم يطلقون الرصاص!

الأضواء الباهرة تخترق بلا رحمة القلوب المرتعدة، الرصاص المحمّل بالموت لم يشفق على الأرواح  الهاربة من الموت

صرخة الشاب، دماؤه الساخنة المنسابة في خطوط الأرض العارية.. تنهمر بين أصابع الفجر.. الفجر الذي بكى طويلاً وهو ينصت لهمهمةٍ غامضة تتمزّق على عتبات الجسد الفتيّ.

دمدمة الأحذية العسكرية، وبربرة بمسبّات لم نفهم منها غير أنها لم تكترث أبداً بالدّم الذي ظلّ ينزف على مرأى من مصابيحهم وأبراجهم المتعالية عن أحزاننا

– سامحوني ,عليّ الهرب

إن أمسكوا بي سيقطّعون لحمي

بهذا الكلام همس الدليل وهو يقفل هارباً للوراء، غير آبهٍ بالدموع المختنقة في الحناجر، ولا برائحة الموت النازفة في نقيّ الفجر، تاركاً الكومة البشرية عالقةً

بـ “أقدارها الـــشائكة”

 

 

 

 

شهناز شيخه / كاتبة سورية  كردية

Share Button

عن PDPKS

Warning: Division by zero in /storage/content/74/1006274/dimoqrati.info/public_html/wp-includes/comment-template.php on line 1390
x

‎قد يُعجبك أيضاً

وليد شقير: دور أوروبي في سورية بعد انسحاب اميركا

بعد ما كشفته صحيفة “واشنطن بوست” أول من أمس عن أن أقرب حلفاء واشنطن الأوروبيين ...