آزاد عنز: سخونة الثقافة الشرقية

Share Button

يلد الطفل باكياً بكل عُريّهِ، فينقطع حبله السريّ، وينفصل عن أمه، ليتصل بالحياة بحبلٍ علنيّ وفاضح أكثر تعقيداً، يلد بجيوبٍ فارغة من الحكمة وممتلئة بالشغب، كطنجرة فارغة تماماً من الفوضى، تطرق على حوافها فتصرخ صراخاً فارغاً، طنجرة تنتظر طاهية تملؤها بمقادير منتظمة في تقديرها، وغير متساوية في كميتها، تُخلط الأصناف على نار هادئة في طنجرة امتلأت بفوضى المقادير، بعد أن كانت فارغة منها، تتحالف المقادير قسراً في ما بينها كل صنف من الأصناف يعطي للصنف المتحالف معه فوق النار جزءًا من مذاقه ويأخذ بدلاً عنه مذاق الأخر، وقد لا يكون التبادل متساوياً دون الاهتمام في الكمية المتبادلة، تنطفىء النار المشتعلة لتفصح الطنجرة عن المستور فتشهد الطاولة ولادة طعامٍ مستساغ أو غير مستساغ . هكذا هي الحياة تسلب منك ما تريد، وتهبك ما تريد، في عملية تبادل عادلة أو غير عادلة، فالحياة طنجرة فارغة، ونحن مقادير الطعام نحترق معاً على نار الصواب لإعداد الحكمة.
يلد الطفل كأرضٍ متأهبة للزراعة، أحدهم يزرعها قمحاً وآخر يزرعها ورداً وآخر يزرعها حشيشة القنب، مالك القمح يحصد حكمةً، ومالك الورد يحصد فرحاً، ومالك حشيشة القنب يحصد بلاءً وهكذا. طفلك تربتك الخصبة. تترسب بقايا البذور المختلفة عاماً بعد عام، في ضمير التربة، فتأتلف في ما بينها نهاية المطاف، لتنبت البذور مجتمعة نبتة الثقافة، فالثقافة في جوهرها ما يكتسبه الفرد، بعد أن يُقذف من رحم الأزل، فتتلقفه فخاخ الأبد. إنها فخاخ الحياة، فخاخ الحكمة والصواب، إرثٌ ثقيل من العادات والتقاليد والأعراف واللغة والهويّة الملتصقة بك قسراً، ويبقى الاسم من أولى فخاخ الثقافة التي تصطادك في الحياة، فالاسم بصمة الإنسان، وخاصيته التي تميّزه عن غيره من الأقوام، كأن تقول اسمي نبيل، من الشرف، أي أنك عربيّ الهويّة، أو أن تقول اسمي، آزاد، ومعناه بالعربية الحرّ، أي أنك كرديّ الهوية أو نورسين، نور القمر، أي سريانيّة الهوية. وهكذا إلى أن تصل إلى اسم آدم أبو البشرية، والأسماء الملحقة بها، فالاسم الخالص من الشوائب بوابة التعريف بالهويّات ولكن بفعل الاحتكاك والتداخل برز عنصر التأثير والتأثر كأن يسمّي الشرقيّ متأثراً بجاره الغربيّ في الغرب البارد اسم طفله، مايكل، أي طفلٌ بهويّة مزدوجة في تأثير صريح للثقافة الغربيّة على الشرقيّة و استسلام صريح للثقافة الشرقيّة المبددة في الغرب ودلالة على فشل الشرقيّ في إقناع مُضيفه الغربيّ بأن يسمي الغربيّ طفله باسمٍ شرقيّ، انصهرت سخونة الشرق بكل ما تحمله من إرث الهويّة على عتبة البوابات الواسعة للجليد الغربيّ، برودةٌ تُذيب السخونة! فيفتخر الشرقيّ مبرّراً على أن العملية انفتاح لا انصهار ويبقى الانفتاح لذة التبادل بين الاختلاف على أن يحافظ كل منهما على خاصته تماماً كعملية تبادل الأسرى بين قوتين متحاربتين، فالحياة معركة وصراع سرمدي.

Share Button

عن PDPKS

Warning: Division by zero in /storage/content/74/1006274/dimoqrati.info/public_html/wp-includes/comment-template.php on line 1390
x

‎قد يُعجبك أيضاً

ممثل حزبنا في إقليم كردستان يلتقي الأستاذ صلاح الدين بهاء الدين

  قام اليوم الأربعاء المصادف (٢٤/٤/٢٠١٨)، الرفيق علي شمدين ( عضو المكتب السياسي للحزب، وممثله ...