أخبار عاجلة

بسام مصطفى : سليم بركات و”موت النقد الأدبي”

Share Button

شكل الشاعر والروائي الكوردي السوري، سليم بركات، منذ بداية انطلاقته في ميدان الأدب العربي الحديث، ظاهرةً خاصة ومميزة واسماً كبيراً كبر ألمه الكوردي الخالص ممزوجاً بالألم الإنساني الوسيع، وبلغة هي ليست لغة أمه الكوردية، وأعني هنا اللغة العربية، حيث ملىء “جمهوريته بقواعد الإعراب العربية” كما قال ذات لقاء.

رغم أنني ككاتب كوردي سوري يعتمد اللغة الكوردية كلغة أولى في الحياة والكتابة والترجمة والتعبير عن الذات في محاولة لعدم الوقوع في “فخ” سليم بركات الخطير والشهير، فلا عجب أنني كنت أتمنى في أعماقي لو كان كل نتاج سليم الجبار والمدهش حقاً بلغته الكوردية، وقد لعبت ترجمة مجموعة من أعماله رغم صعوبتها الكبيرة إلى اللغة الكوردية دوراً مميزاً في هذا المجال بواسطة مترجمين وكتاب كورد موهوبين من أمثال أحمد حسيني، وجان دوست، وجانا سيدا، وعبدالله شيخو وغيرهم، وجهودهم مشكورة في هذا الصدد.

وعلى أي حال ليس هذا موضوع مقالي هذا، الذي يشي عنوانه بأنه يحاول البحث بشكل مختصر في جانب من تجربة سليم بركات الإبداعية الكبرى، ألا وهي إهماله من قبل النقد الأدبي العربي والتعمد في إيذائه من قبل “نقاد”عرب وكورد ما فتئوا يسعون للتعريف بأنفسهم وتوسل الشهرة والاعتراف بأي شكل كان، ولكن هل يعني هذا أن سليم بركات فوق النقد؟، ألا يجوز نقده ونقد تجربته الإبداعية التي بلا ريب لن تكون خالية من نواقص وسلبيات هناك وهناك؟، أعتقد أن هذا السؤال لا يحتاج للإجابة، فكل شخص مهما علا شأنه، وكل تجربة أدبية وإبداعية قابلة للنقد والدراسة والتحليل. إذاً أين الخلل؟، الخلل والمشكلة هنا لا تتعلق ببركات، وإنما بالنقاد و”النويقدين” وبعضهم ما زال يجهل كتابة الفاصلة باللغة العربية، ففواصلهم مقلوبة رأساً على عقب كما معظم مضامين عقولهم وكتاباتهم.

لا شك في أن سليم بركات صعب إلى حد الفجيعة، وأدبه يستعصي على التصنيف، وهو أدب غامض ومليء بالألغاز والأسرار. إنه أدب مجنون وخياله خيال جامح لا حدود له. عمارته الشاهقة مبنية على اللغة، فهي من اللغة وإليها. نصه فريد لا يشبه نص غيره، وهو لا يشبه سوى نفسه، وهذا ما سبب “هذياناً” بأسباب مختلفة لدى بعض من “في قلوبهم مرض” مزمن لا دواء له، وسليم بركات المنعزل في مطبخ بيته في غابة من غابات العاصمة السويدية ستوكهولم بعيداً عن الضجيج والعواء المنتشر خارجاً، تنبه إلى التدهور الحاصل في الشعر العربي الحديث على سبيل المثال، وربط هذا الأمر بتدهور حالة النقد، حيث وصل الأمر للاستهزاء بالشعر والسخرية منه و”لهذه السخرية من جلال الشعر أسباب” كما يقول بركات ويتابع: “في أساسها (موت النقد الأدبي)، بعد موجة هبوب أموال النفط العربي، قبل أواسط السبعينات بقليل، فتكاثرت الصحف، والمجلات الدعائية للأنظمة، وفي هذه الكثرة من الأوراق المطبوعة بحبر مدفوع الثمن بسخاء، بات تقليد وجود صفحات ثقافية أمراً على صخب في شيوعه. أميون في القراءة تداعوا إلى تزوير الذائقة بانطباعات تصلح في لغة التعميم الكسولة على كل نص”.

لنتأمل ما يقوله سليم هنا بدقة. أليس سليم محقاً – ولا أدافع عنه هنا فهو في غنى عن دفاعي!- عندما يقول: “في كل عصر، قطعاً، يتكرر المشهد ذاته، بصورة أو بأخرى، فيكون الجيد الحقيقي نادراً، والنمطي المتوارث سائداً. غير أن الجهل في تصنيف النصوص، راهناً، فاق كل جهالة. إذ بات النشر في المنابر متاحاً بتساهل القائمين عليها في إفراط ما بعده إفراط”. أعتقد أن كل من يتابع الساحة الأدبية والثقافية الكوردية والعربية سيرى بوضوح هذه “الجهالة” التي يتحدث عنها بركات. فالغث والسطحي والنمطي سائد و”الجيد الحقيقي” والعميق والغامض نادر الوجود.

ورغم تجربته الفذة وتفجيره لطاقات وإمكانات اللغة العربية، إلا أن سليم يبقى في العقل العربي الجمعي سواء النخبوي أو العادي “غريباً” ولا يستحق الغريب بنظرهم التوقف عنده أو الإشادة به، بل على العكس، فهو دوماً معرض من قبلهم لسهام “النقد” وسمومه. لكن سليم لا يكتب للنقاد، بل يكتب لنفسه أولاً و لقرائه ثانياً. يقول سليم: ” كل (غريب) عليهم من الشعر يُهمَل. جبنٌ نقديٌّ مفرطٌ في جبنه. نقادٌ كالحياةِ العربية في يقينِ انهيارها. نعم، أُهملتُ. أعرف، بلا تواضع، ما الذي كانت ستثيره روايات لي مثل (الأختام والسديم) سبقت جنونَ ظهور (الدولة الإسلامية) بخمس عشرة سنة، لو كانت بلغةٍ أخرى غير العربية. أعرف. نعم أُهملتُ، لكن أنقذني القراءُ من الإهمال النقديّ. أنقذني الجسورون في امتحانِ ذائقتهم المتطلّبة”. والمعنى هنا بادٍ للعيان والرسالة واضحة، فمشكلة سليم بركات ليست في “نقده” بحق، وإجراء الدراسات والبحوث النقدية الرصينة والمحكمة بحق أدبه، وإنما في إهماله بتعمد والقفز فوق اسمه لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها كلها هنا، وربما من أبرزها (كورديته) التي لا يتخلي عنها. لكن أين يكمن الحل؟، يقول بركات: فليقل النقاد ما يشاؤون قوله، فمن ينقذ الكاتب في الحقيقة ليس النقاد، بل القراء: “أنقذني الجسورون في امتحانِ ذائقتهم المتطلّبة”.

في مقاله “في قراءة سليم بركات.. قول على قول” يبحث الكاتب والشاعر الكوردي طه خليل هذا الموضوع في معرض رده على مقال كتبه، محمد علاء الدين عبد المولى، عن سليم بركات. حيث كتب طه قائلاً: “يبدأ (محمد علاء الدين) الحديث عن سليم بركات منذ البداية بالقول إن سليم بركات منحدر من أصل غير عربي ولكنه ينتج نصه باللغة العربية.. بداية لا أود التعليق على التراكيب اللغوية وركاكة التعبير في تلك الكلمات، بل أود التوقف عند حديثه عن الأصل غير العربي لسليم بركات ودون أن يسميه، إذ إن الأمانة الأدبية والأخلاقية تقتضي هنا ذكر(أصله) ما دام الناقد يقول إن سليماً (لا ينحدر من أصل عربي).‏ وأعتقد لو أنه تحدث عن شاعر هندي يكتب بالعربية لقال بعد تأكيده على عدم أصله العربي إن الشاعر المذكور ينتمي إلى الأصل الهندي”.

وكما يوضح طه خليل، فإن هناك نظرة مسبقة للشاعر والروائي “المُنتَقَد” وهو هنا سليم بركات الذي يتم إهماله وتجاهله عمداً بسبب قوميته الكوردية، الذي رغم عدم تمكنه من الكتابة باللغة الكوردية، إلا أنه ما أنكر يوماً كورديته، بل ودافع عن كافة قضايا الكورد في أعماله المميزة. وكما يورد خليل في مقاله: أورد هنا ما كتبه بركات في كتابه “الأقرباذين” عن هذا الموضوع، إذ يقول: “أوساط من كتبة النقد الأكاديمي. يتامى الواقعية الاشتراكية وحفنة من العائدين إلى عمقهم العربي بعد تيه في الأممية وأخواتها. يتداولون (شرعية) انتسابي إلى الكتابة العربية لأنني ببساطة لم أُفصل لأبي بنطالاً يتماهى به مع الزي العربي، وتركت أمي في زيٍّ لا يشبه ما ترتديه نساء العواصم”.

ويستمر طه في فضح عقلية “الناقد” ذاك ويفصل في أسبابها حين يقول: “معضلة الشاعر سليم بركات بالنسبة لقراء من مثل عبد المولى هي أنهم لا يدركون كنه التعبير اللغوي عند سليم بركات، فبركات لا يساوم في تدابير اللغة ليعرض النص على صفحات السذاجة الزخرفية التي تربى عليها كتبة النقد المدرسي والجامعي الذين درسوا أربع سنوات في الجامعة وتخرجوا منها ليعلنوا أنفسهم أباطرة للنقد”.

هناك مثل كوردي يقول: “لا يدرك قيمة الذهب سوى صائغ الذهب!”، فعلى سبيل المثال حينما تُرجمت مختارات من شعر سليم بركات إلى السويدية قبل سنوات، بعنوان “الثعالب النائمة في الياقوت”، استقبلت ككل أعماله الأخرى بالترحاب الشديد، حيث وصفت الكاتبة السويدية المعروفة، إيفا ستروم، كاتبها بأنه “كاتب معاصر مهيب، يكتب قصيدة عالية الحداثة وحادة كالماس”.

Share Button

عن PDPKS

Warning: Division by zero in /storage/content/74/1006274/dimoqrati.info/public_html/wp-includes/comment-template.php on line 1390
x

‎قد يُعجبك أيضاً

الرفيق عبدالحميد درويش يلتقي الرفاق في منظمات ديريك.

    بقلوب ملؤها المحبة و أفئدة تنبض بالمودة و روح تبحث عن روح الأخوة ...