أخبار عاجلة

آزاد عنز: عن الهوية السورية

Share Button

هنالك في شرق المتوسط إلى الأعلى قليلاً جغرافيا مستباحة، مجرّدة من هويّتها، سورية المجرّدة من كل شيء كجسدٍ جرّد من لحمه، جسدٌ احترق لحمه الطّريّ شواءً بنار القنابل الحارقة ليقدم وليمة على طاولة قادة العصر وليبقى العظم مهملاً ومحرّراً من قيود اللحم.
في أثناء بحثك عن الهويّة السورية تتعثر شمالاً بجنودٍ جاءوا من بعيد على ظهور المدرعات ذوات الواحدة والخمسين نجمة، كل نجمة تزاحم الأخرى في الفضاء الأزرق، جنودٌ جاؤوا من الضفة الأخرى من العالم ليرووا ظمأهم بالبترول وعلى ظهورهم أكياس فارغة تماماً من الحقيقة وممتلئة تماماً بالوعود والخداع، تقطع نهر الفرات إلى الشرق قليلاً حيث حدود سورية تصافح حدود العراق، وأنت لا تزال تبحث عن الهويّة الضائعة لجغرافية مطعونة من الخلف ترتطم بالمراقد الدينية الإيرانية الواردة من بلاد فارس لتستقر خلف النهر تماماً، النهر الفاصل بين الخديعة والمرقد، النهر الشاهد على الجريمة المُقسّمة على ضفّتيها، مراقد تُجلّد ذاتها بأغلالٍ ثخينة وقديمة عائدة إلى ألف وثلاثمئة عام، مراقد تجلّد نفسها لنيل الشفاعة، ومن الشرق تنحدر جنوباً لتصطدم بأقداح الفودكا الروسية الممتلئة بالدم الطازج، دماءٌ تحرّرت من قلوبٍ توقفت عن النبض وهربت من أجسادها العاطلة من العمل لتتسرب إلى أقداح الفودكا المخصصة للدم لتفوح من هذه الأقداح رائحة الموت لا الفودكا، ومن الجنوب تصعد إلى الغرب وأقصاه لتتعثر بالرحم التركيّة المزدحمة بالنطاف الغربية، نطاف قُذفت على عجل، شهر عسل جماعي بالتناوب، اجتمعت النطاف بعيدةً عن حكمة الله التي تُجيز لكل بيضة نطفة واحدة ومفتاحا واحدا، تقيأ البطن التركيّ وأُلقيَ بالمولود العجيب بعيداً، فصرخ تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام صرخة الولادة ليهتز المولود في المهد السوريّ ويكبر على التراب السوريّ ليختفي ويظهر في جغرافية أخرى، وليكتمل المشهد وتتضح الصورة، كان لابدّ من نقاط المراقبة التركية العاطلة من الرؤية تماماً، أجهزة مراقبة بعدسات كبيرة خصصت لرصد أرقام الضحايا وخلف هذه العدسات عيون عمياء لا ترى من المشهد شيئاً ليبقى الموت على حاله طليقاً دون قيدٍ أو رصد، تعددت الجنسيات والهويّات على الأرض السورية، وبقيت الهويّة السورية غائبة عن المشهد لتحصل كل جنسية وكل هويّة طارئة على قطعة عقار عائدة إلى أملاك الموتى ومن في حكمهم، وخارج هذا المشهد كله وخارج هذه الجغرافيا المتعبة بالألم تصادف الشعب السوري المتعب بالألم والهارب من ذاته وهويّته، شعبا مرميّا في خيمة مرمية خارج الحدود الطبيعية والسياسية بهويّة مرمية ضائعة ليراقب المشهد الضائع من داخل وطنه المتنقل والبديل: الخيمة.

عن موقع العربي الجديد

Share Button

عن PDPKS

Warning: Division by zero in /storage/content/74/1006274/dimoqrati.info/public_html/wp-includes/comment-template.php on line 1390
x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد المجيد محمد خلف: مأساة الكتّاب الروس لجودت هوشيار… أدبٌ عصيٌّ على الموت

يبقى مفهوم الظلم في النهاية وبالمحصلة واحداً، وتختلف معه الطريقة التي تتم فيها ممارسة العنف، ...