أخبار عاجلة

رستم محمود: عبد الحميد حاج درويش.. شاهد الحكاية السورية

Share Button

28 أكتوبر

رستم محمود/
برحيل السياسي الكردي السوري المخضرم عبد الحميد حاج درويش، تكون سيرة الحياة السياسة والعامة السورية، التي ستبلغ بعد شهور قليلة قرنا كاملا، تكون قد فقدت واحدا من السياسيين السوريين النادرين، الذين عاصروا وشاركوا هذه السيرة في أغلب مراحلها، منذ عهد الديمقراطية البرجوازية، مرورا بعهود الحكم القومي والانقلابات العسكرية وصراعات مختلف أجنحة حزب البعث الحاكم، وصولا لعهد الأسدية الطويل، بمختلف تحولاتها، ومن موقع المنخرط والفاعل والشاهد، في وعلى هذه السيرة.
كان حاج درويش من مؤسسي الحزب الديمقراطي الكردي السوري عام 1957، كأول حزب كردي سوري، وأمينا عاما لهذا الحزب لعقود كثيرة، واعتبر من الزعامات السياسية الكردية السورية المُعترف بها في مختلف الأوساط، الكردية والسورية الإقليمية على حد سواء.
لكن كل ذلك لم يسمح له بأن يكون مشاركا فعليا في أية سلطة من سلطات البلاد، في أية مرحلة كانت. فصحيح أنها كان شخصية سياسية عامة بحكم الواقع، لكنه بقي على الدوام في دائرة التهميش والنبذ وعدم الاعتراف من سلطات حكم البلاد ومؤسساتها ومواثيقها، طوال مختلف المراحل.

الكيان السوري العمومي المأمول، صار خاضعا لشبكة من المحتلين

فحاج درويش كان كردي الهوية في دولة بقيت على الدوام ذات نزعة عروبية في دساتيرها وهويات مؤسساتها وأيديولوجية حكامها. وشخص آت من جهوية جغرافية ريفية شديدة البعد عن مراكز المدن الرئيسية، الحاكمة سياسيا واقتصاديا ورمزيا على الدوام.
بالإضافة إلى كونه مدني السيرة الذاتية، في طبيعة تلقيه للتعليم في المؤسسات الموروثة عن الاستعمار الفرنسي، لكن في دولة كان ينهار التعليم العام فيها بشكل مستمر، ويتخضع لسلطة الحاكمين الأيديولوجيين.
وفي حياتيه الشخصية هو ابن عائلة إقطاعية، كانت تتحول بالتقادم والتحديث في عقدي الأربعينيات والخمسينيات لتكون واحدة من العائلات البرجوازية، في دولة كانت تتحطم فيها الطبقة الوسطى وتتوسع العشوائيات وتتكاثر فيها الهويات المحلية العشائرية والمحلية.
وأخيرا، في خياراته الأيديولوجية الرافضة للعنف والانقلابات العسكرية وحكم النخب الثيوقراطية، في دولة تغرق يوما بعد آخر بكل ذلك.
كانت خيارات درويش الذاتية تلك، المترافقة مع إصرار مختلف حاكمي البلاد على نكرانه وتهميشه، مع حزبه السياسي، بالرغم من محاولات حاج درويش التي لم تتوقف لخلق مساحة اعتراف ومشاركة مع سلطات ومؤسسات الدولة السورية، كانت قد سمحت له ولتجربته لأن تكون واحدة من أكثر المؤشرات والدلالات على الطبائع والديناميكيات التي هيمنت على هذا الكيان السوري وسيرته الذاتية طوال هذا القرن.

طوال حياته السياسة، بقي حاج درويش مصرا على ثلاثة خطوط استراتيجية بنيوية لخياراته.
فقد كان مهووسا بخلق خيارات سياسية ذات لغة وفضاء ورمزية وديناميكية كردية سورية تماما، دون أية خطابية فائضة أو أحلام مزيفة أو أيديولوجية قومية غير واقعية.
خيارات متمايزة وحذرة من نظيرتها الكردية المتدفقة من الدول الأخرى، غير المتطابقة مع خصائص وهواجس الأكراد السوريين، الذين ينتشرون على شريط جغرافي سهلي شديد التعقيد والتداخل مع الحساسيات الأخرى، ممتد لمئات الكيلومترات وبعمق لا يتجاوز الثلاثين كيلومتر، وفي دولة ذات تكوين اجتماعي وتاريخ سياسي خاص جدا، لا يمكن للخيارات الكردية غير السورية أن تعيه وتتعامل معه بعقلانية ورجاحة، تحفظ السلام الاجتماعي، بين الأكراد السوريين وشركائهم الآخرين، من عرب وسريان وأرمن.
تعرضت تلك الواقعية السياسية طوال هذه العقود لشكلين من الابتزاز والتحطيم. تخويني قومي كردي داخلي، كان يعتبر تلك الواقعية خضوعا لما فُرض على الأكراد رغما عنهم. وآخر من سلطات حكم البلاد، الذين كانوا يستميتون على الدوام لأن يحدثوا تحورا في وعي الأكراد السوريين، ليكونوا مشغولين بالقضايا الكُردية في الدول الأخرى، لتستخدمهم هذه السلطات في ضبط علاقاتها المتوترة مع تلك الدول، وليرفعوا عن أنفسهم تبعات واجب تقديم حلول موضوعية وواقعية للمسألة الكردية السورية.
كانت تلك الواقعية السياسية القومية رديفا لإيمان صميمي بإمكانية تحول سوريا لكيان عمومي قادر على استيعاب جميع الحساسيات الوطنية السورية، وإمكانية توزيع القوة الوطنية السورية، السياسية والرمزية والاقتصادية على تلك الحساسيات والجهويات السورية، وبعدالة نسبية معقولة.

خيارات متمايزة وحذرة من نظيرتها الكردية المتدفقة من الدول الأخرى

ذلك الإيمان الذي كان حاج درويش قد كسبه من سنوات نشاطه السياسي في دولة الحريات العامة والديمقراطية المدنية، ولو القصيرة، التي عاشتها سوريا في أواسط الخمسينيات، لكنها كانت تأسيسية لذهن حاج درويش وخياراته، وبقي مصرا على الدوم على إمكانية استعادة تلك التجربة، لأنها الوحيدة القادرة على حماية هذا الكيان السوري من الخضوع لمحيطه الجيوسياسي القائم على كيانات أكبر وأشد صلابة من سوريا بكثير، والقادرة من جهة أخرى على حماية مختلف الحساسيات من الصدام فيما بينها، وغالبا عبر حروب أهلية مُقنعة، أو حروب أهلية باردة.
ضمن هذا السياق، كان ثمة إيمان بأن أي من تلك الحساسيات إنما تحوي بداخلها على تيارات داخلية متناقضة، واحدة صدامية وإلغائية وأخرى تعايشية وواقعية. وأن التحول الموضوعي ضمن الكيان السوري يمر عبر ديناميكية واحدة فحسب، هي تواصل وتعاضد التيارات التعايشية ضمن مختلف الحساسيات السورية، وأن ذلك المنحى وحده القادر على ضمان أي عقد اجتماعي وسياسي سوري ذو مضمون واستمرارية.
إلى جانب التوجهين، الكُردي والوطني، فإن حاج درويش وتياره السياسي امتلكا نزعة ذات مضمون اجتماعي وثقافي وسيميائي. تجمع الليبرالية الاجتماعية مع مزاج موال للتحديث، إن صح التعبير، مواظب على مناهضة المؤسسات والبنى التقليدية في المجتمع الكردي والسوري، كالعشائرية والطرق الصوفية والعصبيات المحلية والعائلات الدينية والاجتماعية المهيمنة، التي تستند على ترسانة من التفسيرات الخرافية لشكل وظواهر العالم.
تلك التي تكون عادة متحالفة مع النزعات القومية غير الواقعية والتيارات السلطوية المتطرفة، هذه الأخيرة التي كان حاج درويش يؤمن بأنه لا يمكن مواجهتها بدون تفكيك قواعدها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
***
رحل عبد الحميد حاج درويش في لحظة شديدة الرمزية، تكاد معه مسيرة الكيان السوري تفيض بعكس كل ما كان حاج درويش يسعى لتحقيقه.
فقد خضع الأكراد السوريون في المحصلة لمدحلة ديناميكيات المسألة الكردية الإقليمية، غير المراعية لخصائصهم. وصار الأكراد السوريون فاقدين لأية قدرة على التحكم بأحوالهم ومصائرهم وخياراتهم، ويدفعون لأجل ذلك أثمان بالغة القسوة، من تدمير وتهجير وتغيير ديموغرافي لمناطقهم، وحربا أهلية تضعهم في مواجهة شركائهم الأقربين.
على نفس المنوال، فإن الكيان السوري العمومي المأمول، صار خاضعا لشبكة من المحتلين، وتخوض حساسياته الأهلية بدل الحرب الأهلية الواحدة سلسلة من تلك الحروب الأهلية والإقليمية، الخالية من أية قيمة مضافة تستطيع أن تحقق شيئا ما في المحصلة.
أخيرا، فإن مجموعة القيم التحديثية التي كان يراها حاج درويش أداة لانتشال الأكراد السوريين براثن الفوات التاريخي والهامشية عن الفاعلية في الكيان السوري، تحطمت تماما، وصار الأكراد السوريون موزعين على ثلاث كتل شبه متساوية الأحجام:
واحدة مهاجرة مقتلعة من جذورها، وأخرى مركونة في مخيمات الذل والهوان، دون أن تكون قادرة على الحصول على الحد الأدنى من التعليم والخدمات الصحية والعامة المناسبة، وكتلة ثالثة متبقية في البلاد، مهددة بين ساعة وأخرى بالاقتلاع، ذلك المصير الذي قضى حاج درويش حياته السياسية وهو يحذر منه، ورحل دونه، مثل الكيان السوري نفسه.

هل من بقعة أخرى في عالم اليوم مثل سوريا، تشهد هذه الكثافة من البربريات كلها؟

في روايته الشهيرة “في انتظار البرابرة”، يوثق الروائي الجنوب أفريقي ج م كوتزي سيرة قاض يعيش في بلدة نائية شديدة البعد عن مركز الإمبراطورية التابعة لها، هذا القاضي الذي يشغل موقع الموثق والشاهد على تدفق السياسات التحذيرية والترهيبية من قبل المركز الإمبراطوري على تلك البلدة، التي تُنذر باقتراب حرب ما سيخوضها “البرابرة” ضد الإمبراطورية، وفي سبيل تجنب تلك الحرب البربرية المتوهمة، يخوض موظفو المؤسسات الإمبراطورية أشنع أشكال السياسيات والممارسات البربرية بحق السكان المحلين، يحولون الحياة معها إلى جحيم مفتوح.
في وقت ينشغل القاضي في حفظ أغاني سكان القرية وتراثهم الثقافي، ويتحطم داخليا من شدة قسوة تداخل الأحوال وتناقضها وحتميتها جميعا بالرغم من تنافرها الظاهري. تلك التناقضات واستحالة التعايش بين المقيمين، تكونان أداة مثالية لتحطم الحياة العادية التي كان يحلم ويبشر بها القاضي، واحتلال البربريات، الواقعية والمتخيلة، لمكانة الحياة العادية تلك.
هل من بقعة أخرى في عالم اليوم مثل سوريا، تشهد هذه الكثافة من البربريات كلها؟ وهل من قسوة أن يكون أحد ما شاهدا على كل ذلك، بعدما قضى عمره مبشرا بعكس كل ما حدث تماما

عن صفحة الأستاذ رستم محمود

Share Button

عن PDPKS

Warning: Division by zero in /storage/content/74/1006274/dimoqrati.info/public_html/wp-includes/comment-template.php on line 1390
x

‎قد يُعجبك أيضاً

بعد مقتل هفرين خلف .. درون أميركية تسجل فيديو لانتهاكات “فصائل أنقرة” في سوريا

أفادت صحيفة وول ستريت جورنال بأن مسؤولين عسكريين أميركيين شاهدوا لقطات حية صورتها طائرة مسيرة ...