أخبار عاجلة

آلان حسن: عفرين.. المبتدأ والخبر

Share Button

عامان على العملية العسكرية التي شنها الجيش التركي بمساندة الفصائل السورية التابعة له، والتي بدأت في العشرين من كانون الثاني/ يناير من العام 2018 وانتهت في الثامن عشر من آذار/ مارس من العام نفسه، بهدف إخراج عناصر وحدات حماية الشعب (الكُردية) من القطب الثالث من أقطاب الإدارة الذاتية المعلنة منذ كانون الثاني/ يناير من العام 2014

عامان على “غصن الزيتون” التي اختير اسمها لتَسِمَها بالسلام، لكنه لم يدل على مسماها البتة، بل على النقيض تماماً؛ فقد كان مدنيو عفرين عرضة لآلة القتل التركية، وبأياد سورية في غالب الأحيان، منذ بدء العملية إلى الآن، وباتت المدينة اليوم ملجأً لمن يرغب من نازحي المدن التي تشهد معارك بين الجيش السوري، والفصائل التابعة لأنقرة، وممنوعة من سكانها الأصليين

 

وعود الحرية التي أطلقتها الفصائل السورية المسلحة ومن ورائها تركيا، لم يرَ منها أهل عفرين سوى البؤس، والتهجير والنهب والتضييق على الحريات الدينية والسياسية، بالإضافة إلى تغيير ديموغرافي في المدينة ذات الغالبية الساحقة الكُردية، فأصبح “جبل الأكراد” موطناً بديلاً لمهجري الغوطة، وريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي، ونازحي إدلب، في مقابل حرمان أصحاب الأرض الأساسيين من العودة إلى ديارهم.

 

كانت عفرين، ما قبل “غصن الزيتون” تعيش ثورة اقتصادية بكل معنى الكلمة، فقد أضحت عاصمة للتجارة والصناعة السورية، وتحديداً بعد سيطرة الفصائل المسلحة على مدينة حلب، وباتت عفرين تصدر منتجاتها إلى عديد الدول، لكن بعد السيطرة التركية على المدينة أصبح زيتونها مخصصاً للتصدير إلى تركيا وحسب، وأضحت ممراً إلزامياً لكل تجارة عفرين.

 

اتباع سياسة التتريك كانت السمة البارزة لكل منطقة تسيطر عليها أنقرة، وعفرين لم تكن استثناءً في ذلك، فاللغة التركية باتت مستخدمة في الدوائر الرسمية، والبضائع التركية باتت تغزو أسواق عفرين، والتعامل بالليرة التركية أصبح مشهداً معتاداً في شوارع المدينة الكُردية.

المجالس المعينة في المدينة هي كذلك تدين بولاء مطلق لأنقرة، والعلم التركي مرفوع بجانب علم المعارضة السورية في الدوائر الرسمية المعينة بعد سيطرة الجيش التركي على المدينة، ووصل بها الحال إلى تسمية المنطقة بـ”غصن الزيتون” في الوثائق الصادرة عنها، حتى أن بعض المسجلين على قيود المدينة كانوا ضمن المقاتلين الذي أرسلتهم تركيا لمساندة رئيس حكومة الوفاق الليبية (الموالي لجماعة الإخوان المسلمين) في مواجهة قائد “الجيش الليبي” المشير خليفة حفتر.

 

التغيير الديموغرافي الحاصل في المدينة يشي بمستقبل خطير فيها، فمئات العائلات من الغوطتين، وغيرها من مدن الداخل السوري باتوا يسكنون بيوتات أهل عفرين الذين يفترشون العراء في مخيمات اللجوء الممتدة بين الشهباء شمال البلاد ومدن القامشلي وديريك وتل تمر، وباتت هذه القضية تشكل عامل عدم استقرار من الجانبين، فكل طرف ينظر إلى الآخر على أنه تهديد وجودي، وعليه فإن آثار ذلك تبدو خطيرة على مستقبل المنطقة.

 

تحاول تركيا جعل عفرين قبرص ثانية، عبر فرض سياسة الأمر الواقع بالوصاية التركية عليها، وذلك عبر إسكان النازحين السوريين فيها مقابل الولاء المطلق لأنقرة، وفرض الثقافة التركية على سكان المنطقة، والرهان على إطالة أمد الحرب السورية للوصول إلى قبول بالوضع القائم.

 

عفرين التي تتكون من سبع نواح، وثلاثمائة وست وستين قرية. شُرِّد ما يقارب مائتي ألف مدني من أهلها، ولم يتمكنوا من العودة إلى منازلهم رغم المناشدات المتعددة، أصبحت اليوم مدينة ذات لون واحد، وغاب عنها أي مظهر من مظاهر التعدد القومي والديني.

تحارب السلطات التركية الإدارة الذاتية في شمال وشرقي سوريا بحجة وجود نفوذ كُردي بالقرب من حدودها وأنه يشكل خطراً على وحدة أراضيها، لكن الحقيقة أنها عملت على تهجير أهالي عفرين وريفها، وإسكان آخرين مكانهم، وطمس المعالم الكُردية في المنطقة كهدم تمثال كاوا الحداد (الرمز القومي الكُردي) ومنع تدريس اللغة الكُردية في مدارس المدينة، وأصبح الطلبة يدرسون اللغة التركية عوضاً عن ذاك، كما ألغت جميع الكتابات الكُردية على واجهات المحال التجارية، واستبدلتها باللغة التركية.

 

كانت الإدارة الذاتية تطالب على الدوام بضم قضية عفرين إلى أية مفاوضات للحل السياسي مع الحكومة السورية، وفي أي تعاون عسكري محتمل بين قوات سوريا الديمقراطية وبين الجيش السوري، وإنهاء الوجود التركي في عفرين، وإخراج المسلحين التابعين لأنقرة منها، وإعادة المهجرين إليها

لكن ما حصل من أحداث خلال عام 2019 من تلويح أمريكي بسحب جنوده من شمال وشرقي سوريا، وما تلاه من هجوم تركي وفصائل سورية تابعة له على المنطقة الواقعة بين رأس العين وتل أبيض في تشرين الأول/ أكتوبر، وفق الاتفاق الأمريكي التركي الذي قضى بالسماح لتركيا بالسيطرة على “المنطقة الآمنة” جعل قضية عفرين تتراجع في سلم أولويات الإدارة الذاتية، وباتت عفرين شبه غائبة عن الخطاب الرسمي للإدارة الذاتية

كانت مقاومة هجوم تنظيم “الدولة الإسلامية” على مدينة كوباني/ عين العرب، والرهان على استعادة المدينة هي من أبرز الأسباب التي دعت شعوب مناطق شمال وشرقي سوريا لوضع ثقتها في الإدارة الذاتية كسلطة لا تفرط بحقوق شعوبها، وكذلك الأمر فإن استمرار المطالبة باستعادة عفرين هي ما ستبقي على ما تبقى من تلك الثقة، وبالتالي فإن أي تراخي من الإدارة الذاتية في هذا الشأن سيكون كقطع شعرة معاوية مع سكان عفرين وغيرها من مدن شمال وشرقي سوريا، وتهدد من مستقبل وجود المناطق التي لا تزال تحت سيطرتها في شرق الفرات.

عن موقع : npasyria

Share Button

عن PDPKS

Warning: Division by zero in /storage/content/74/1006274/dimoqrati.info/public_html/wp-includes/comment-template.php on line 1388
x

‎قد يُعجبك أيضاً

“رسالة مهمة لبقية طغاة هذا العالم”.. دولة تتوعد بمحاسبة النظام السوري

كشفت هولندا، الجمعة، أنها تعتزم محاسبة مسؤولي النظام السوري، بموجب القانون الدولي، عن “انتهاكات صارخة ...