أخبار عاجلة

آلان حسن : الإعلام الصفري

Share Button

في بلد أنهكته الحرب منذ ما يزيد عن تسع سنوات، ويكاد أن ينال منه التقسيم، بالإضافة إلى تشظٍ اجتماعيّ بلغ أوجه، تبدو المراهنة على العقلية التي أوصلت سوريا إلى هذه الحال، ضرباً من الخيال، ويمكن تناول الإعلام كأحد أهم الأمثلة لقياس عقلية حكم أي جهة تمارس السلطة.

الإدارة الذاتية في شمال وشرقي سوريا، كانت من أكثر أمثلة الحكم اللامركزي التي راهنت عليها عديد الأطراف لإحداث قطيعة مع الثقافة التي حكمت سوريا منذ ستينيات القرن الماضي، وتحديداً منذ انقلاب حزب البعث العربي الاشتراكي في الثامن من آذار/مارس عام 1963 فيما اصطلح على تسميته في الأدبيات الرسمية السورية بـ “ثورة الثامن من آذار” لكن تجربتها -أي الإدارة- تمر بمخاض عسير بفعل الظروف الذاتية والموضوعية التي تحول دون تثبيتها دستورياً.

تناول الإعلام الرسمي السوري للقضايا السياسية، عبر “فلترتها” أمنياً، شكلّ نموذجاً يبدو أن السوريين، بمختلف مشاربهم، غير قادرين على التخلص منه بشكل كامل.

فبالإضافة إلى تسمية “الثورة” ذاك، فإن الخطاب الرسمي السوري دأب على تسمية انقلاب حزب البعث على حزب البعث في السادس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1970 بالحركة التصحيحية، ويبدو أن السلطات في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة، تسير على هدي هذه النمطية في التعامل، فباتت تكرر الأسلوب عينه في التعامل مع مستجدات الأوضاع في مناطقها.

الترويج لتلك الشعارات إنما يتم، بالدرجة الأولى، عبر وسائل إعلام السلطة، أو تلك التي ترتبط بها بشكل غير مباشر، وفي تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية، التي تأسست عام 2014 كان للإعلام دور أساسي، فقد شهدت المنطقة انفتاحاً إعلامياً في بداية المطاف، وسرعان ما تم احتواؤه عبر التضييق على عمل عدد من وسائل الإعلام، وتأسيس أخرى مرتبطة بالسلطة بشكل أو بآخر، حتى وصلت الحال الإعلامية في مناطق “الإدارة” إلى ما يشبه الركود، حيث لا مكان لأي نقد سياسي، وبات هامش الحرية متاحاً لتناول القضايا الخدمية وحسب.

كان تحالف قوات سوريا الديمقراطية، مع التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “الدولة الإسلامية” فرصة لانفتاح إعلامي غربي وعربي على مناطق الإدارة، وشكّلت التسهيلات الإعلامية الممنوحة لتلك الوسائل فرصة لتركيز الأنظار على تجربة الحكم فيها، لكن جلّ الاهتمام كان للشق الميداني فقط، أما القضايا الأخرى، على أهميتها، فتنال اهتمام عدد أقل من وسائل الإعلام، ويبدو أنها لا تحظى بالقدر الكافي من اهتمام السلطات كذلك، فغابت البرامج السياسية التي تنفتح على الآراء المخالفة، وكذلك غابت الصحافة الاستقصائية وهي التي لها أكبر الأثر في كشف مكامن الفساد داخل مؤسسات الإدارة.

زادت محاولات “تأميم” الإعلام بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية، وباتت الغالبية الساحقة من وسائل الإعلام المحلية مملوكة للسلطة، أو مدعومة منها، بشكل مباشر، أو غير مباشر، دون أن تتمتع وسائل الإعلام الرسمية بأي اهتمام يذكر في مقابل دعم واسع لوسائل إعلام تدَّعي الاستقلالية.

لم تنل وسائل الإعلام الرسمية التابعة للإدارة الذاتية الدعم المطلوب في مقابل انفتاح على وسائل الإعلام الحزبية و”الخاصة” وهو ما يفسر عدم وجود وكالة أنباء رسمية للإدارة، في حين أن أحزاب في المنطقة تملك وكالات أنباء تنطق باسمها، بل إن الاهتمام بكل من القناة والإذاعة والصحيفة الرسمية للإدارة الذاتية إنما هو غيض من فيض الدعم الممنوح للوسائل الإعلامية الأخرى.

يبدو الواقع الإعلامي الحالي سلبياً إلى حد كبير، فالدعم الكبير، جهراً وسراً، من سلطاتِ الإدارةِ الذاتية لأشباه الصحفيين، لا يبشر بالمستقبل المنشود للإعلام في المنطقة، حتى بتنا نشاهد صحفيين ذو حظوة عند نافذين في السلطة، يتصدرون المشهد الإعلامي، في مقابل إبعاد، أو كتم أفواه من يجهدون -بما أوتوا من عزم- للحفاظ على قدسية هذه المهنة. فليس من الحكمة المراهنة على نماذج فاشلة في محاولة دعم تجربة ناشئة كتجربة الإدارة الذاتية.

التجربة الواعدة للإدارة الذاتية بحاجة إلى تضافر جهود الجميع، والحقل الإعلامي يعتبر رئيسياً في مسيرة دعم المكتسبات المحققة، والحرية الإعلامية النسبية الممنوحة فيها تعتبر الأفضل بين مثيلاتها في مناطق الحكومة السورية، ومناطق المعارضة الموالية لتركيا، لكنها بحاجة إلى صقل أكبر، والتخلص من رواسبها الحالية، حتى تصل بها إلى بر الأمان.

صحفيو شمال وشرقي سوريا بحاجة إلى نقابة تدافع عن حقوقهم في وجه مزاجية القرارات الصادرة عن مؤسسات الإدارة الذاتية، والتجربة الأخيرة التي حصلت حين رفضت قوى الأمن الداخلي الاعتراف بالرخص الصادرة عن مكتب الإعلام في شمال وشرقي سوريا إنما يضاعف الحاجة إلى وجود هذه النقابة، في ظل عجز الاتحادات القائمة عن مواجهة الحالة القائمة.

الوصول إلى إعلام قوي بحاجة إلى منح حريات أكبر للعمل الصحفي، وتدخلات أقل من الأجهزة الأمنية، أو من جهات غير رسمية، وكذلك من قيادات السلطة، والتجارب أثبتت أن الإعلام المقموع لا يخدم أحد البتة، والرهان عليه خاسر بمطلق الأحوال، ووحده الإعلام الحر يخدم مجتمعه، ويستطيع الوقوف في وجه المخاطر التي تهدد كيانه، ويقف معه إلى حين الوصول إلى بر الأمان.
عن موقع نورث برس

Share Button

عن PDPKS

Warning: Division by zero in /storage/content/74/1006274/dimoqrati.info/public_html/wp-includes/comment-template.php on line 1390
x

‎قد يُعجبك أيضاً

منظمة كوجرا لحزبنا التقدمي تنعي الرفيق حسن حاجي ملا

ببالغ الحزن والاسى تنعي منظمة كوجرا للحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا  الرفيق حسن حاجي ...